الغزالي
37
إحياء علوم الدين
واستترت عن الخلائق فقارفت الفجور ، فما ذا تفعل وقد شهدت عليك جوارحك فالويل كل الويل لنا معاشر الغافلين ، يرسل الله لنا سيد المرسلين ، وينزل عليه الكتاب المبين ، ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ، ثم يعرفنا غفلتنا ، ويقول * ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوه ُ وهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) * « 1 » ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول * ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ ) * « 2 » * ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَه ُ بَعِيداً ونَراه ُ قَرِيباً ) * « 3 » * ( وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ) * « 4 » ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرءان عملا ، فلا نتدبر معانيه ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه ، ولا نستعد للتخلص من دواهيه ، فنعوذ باللَّه من هذه الغفلة إن لم يداركنا الله بواسع رحمته صفة المساءلة ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من غير ترجمان ، فتسأل عن القليل والكثير ، والنقير والقطمير . فبينا أنت في كرب القيامة وعرقها ، وشدة عظائمها ، إذ نزلت ملائكة من أرجاء السماء بأجسام عظام ، وأشخاص ضخام غلاظ شداد ، أمروا أن يأخذوا بنواصي المجرمين إلى موقف العرض على الجبار . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله عزّ وجلّ ملكا ما بين شفري عينيه مسيرة مائة عام » فما ظنك بنفسك إذا شاهدت مثل هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض ؟ وتراهم على عظم أشخاصهم منكسرين لشدة اليوم ، مستشعرين مما بدا من غضب الجبار على عباده وعند نزولهم لا يبقى نبي ، ولا صديق ، ولا صالح ، إلا ويخرون لأذقانهم خوفا من
--> « 1 » الأنبياء : 1 ، 2 ، 3 « 2 » القمر : 1 « 3 » المعارج : 6 ، 7 « 4 » الأحزاب : 63